ترجمة : هشام عبداللهالناشر : المؤسسة العربية للدراسات والنشر يتناول كتاب "حلف مع الشيطان" لمؤلفه توني سميث أستاذ كرسي كورنيلا جاكسون في كلية العلوم السياسية في جامعة تافت الأميركية ، تطورات الفكر الليبرالي الذي يعتبر أقوى التيارات الفكرية التي وجهت السياسة الأميركية الخارجية منذ أوائل القرن العشرين وكان له تأثير بالغ على إدارة الرئيس بوش الابن ، واستغله المحافظون الجدد لتنفيذ أجندتهم المتعلقة بالشرق الأوسط تحديدا. وما زال هذا الفكر مسيطرا بقوة رغم فشله في إقامة الشرق الأوسط الجديد ، وتعثره في حرب العراق. الدوافع الحقيقية لحرب العراق المحافظون الجدد الذين بينوا إطار عمل "السلام الأميركي" خلال تسعينيات القرن العشرين تولوا أعلى المناصب في الإدارة الأميركية بعد انتخابات العام 2000 الرئاسية. وهكذا أتيحت لهم الفرصة للدفع في اتجاه تنفيذ أجندتهم المتعلقة بالشرق الأوسط.منذ حرب الخليج عام 1991 ، أصبح صدام حسين هدفا رئيسا لحركة المحافظين الجدد ، التي كان أعضاؤها يدعون باستمرار إلى التخلص منه ، خاصة بعد تشكيل "مشروع القرن الأميركي الجديد". وهناك الكثير من البيانات التي توثق موقف الحركة المصمم على أيجاد "طريقة لإسقاط صدام" خلال إدارة كلينتون ، حسب قول روبرت كاجان في افتتاحية صحيفة "ذا ويكلي ستاندرد" في أواخر العام ,1998لكن ما أن ظهرت نذر الفشل في حرب العراق حتى بدأت الاتهامات تُسمع بأن هذا النزاع مستوحى من قلق اليهود الأميركيين على أمن إسرائيل ، حسب تعريف حزب الليكود في إسرائيل. وكان المضمون ألا يؤخذ مذهب بوش بظاهره ، بل كتمويه لمجموعة أخرى من الأغراض ، من ضمنها الدفاع عن إسرائيل ، المحاصرة بمد متنام من "الأصولية" الإسلامية. إلا أنه في ضوء منطق مذهب بوش يمكننا أن نرى بأن حرب العراق كانت غاية بحد ذاتها ، ووسيلة لهدف أعظم بالنظر لموقع العراق في الشرق الأوسط ومكانة الشرق الأوسط في ميزان القوى الدولي. لذلك كان هناك ثلاث رقع شطرنج تجري عليها خطة الهجوم على العراق في آذار :2003 قومي ، وإقليمي ، ودولي. وكل من له إطلاع على منطق مذهب بوش سيفهم أن الرهان كان أبعد ما يكون عن إسقاط ديكتاتور معاد للسلام الأميركي.في 20 أيلول 2001 نظم "مشروع القرن الأميركي الجديد" قائمة طويلة بالموقعين على رسالة أرسلت إلى الرئيس بوش بعنوان "نحو استراتيجية شاملة". خلاصتها: "... حتى إذا لم تربط الأدلة العراق مباشرة بالهجمات ، فإن أي استراتيجية تهدف إلى اجتثاث الإرهاب ومن يدعمونه يجب أن تتضمن جهدا حازما لإقصاء صدام عن السلطة في العراق". ودعت الرسالة إلى إطلاق تهديدات ضد سوريا وإيران. وطمأنت إسرائيل بأنها "كانت وستبقى الحليف الأوفى لأميركا ضد الإرهاب العالمي".كما يمكن أن نتوقع من أشخاص صريحين مثل كريستول وكاجان ، فقد كانوا صادقين تماما بأن غزو العراق هو جزء من خطة للعبة أكبر ، فقد فتحوا كتبهم ليصرحوا ، "نحن نقف على مفترق حقبة تاريخية جديدة. "الإجازة من التاريخ" انتهت ، ويعد كتابهم "الحرب حول العراق: طغيان صدام ومهمة أميركا" (صدر عام )2003 بتفسير "الحقبة الجديدة التي نحتاج لخريطة طريق جديدة لها. السطور الأخيرة من كتابهم تفضح نواياهم بشكل درامي ، "المهمة تبدأ في بغداد ، لكنها لا تنتهي هناك..." أي أنه لم تكن ديكتاتورية صدام ، أو أسلحة الدمار الشامل ، أو هجمات 11 أيلول 2001 ، ولا حتى النفط ، وكل ما تذرعت به الإدارة الأميركية ، الدوافع الأساسية للحرب التي شنت على العراق ، بل كانت دوافعها أيديولوجية بحتة وضع أسسها الليبراليون الجدد والويلسونيون الجدد في تسعينيات القرن العشرين ، خاصة بفضل الثقة المفرطة التي استشعرها الليبراليون الجدد بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي. واستعار المحافظون الجدد وإدارة بوش نصوصها ومفاهيمها لبدء حرب صليبية في الشرق الأوسط. أعمدة هذه الأيديولوجية هي كما سبق وأشرنا ، "نظرية السلام الديمقراطي" و"نظرية القبول العالمي للديمقراطية" ، وإعادة تعريف معنى السيادة.إذا ما حُللت تلك المفاهيم الثلاثة كل على حدة فقد لا تبدوا سيئة من الناحية الفكرية. لكنها إذا جمعت مع بعضها ، فإنها تصبح خلطة ساحرات حقيقية قادرة على العمل بطريقة توافقية لتشكل أيديولوجيا إمبريالية تفرض نفسها. ووفقا لتك الصيغ ، فإن شعوب العالم تتمنى الحكم الديمقراطي وقادرة عليه إذا ما توفرت لها القيادة المناسبة: والدول التي تعارض التحول نحو الليبرالية يمكن وصفها بأنها غير شرعية: والقوى الخارجية التي تسعى إلى تحطيم نظم سلطوية قائمة لإقامة حكومات ديمقراطية فإنها تفعل ذلك من أجل أمنها.عقب أخيل في نظرية السلام الديمقراطيأحد عيوب هذه النظرية هو أنها تؤكد ضرورة وجود قوة مهيمنة ، هي هنا الولايات المتحدة الأميركية. ومن دون تقييم دور القيادة المهيمنة في خلق منطقة السلام الديمقراطي ، وتدعيم أعمالها ، وحمايتها من أعدائها الداخليين والخارجيين ، فلا يمكننا أن نقيّم بشكل مناسب "مجتمع الشعوب الديمقراطية" ، الذي تسعى النظرية إلى إقامته. وكما أنه لا غنى عن "القوة المهيمنة" لإقامة هذا المجتمع فإن وجود عيوب في قيادتها سيقود إلى تفككها.وحيث أن الواقعية ، وليس الليبرالية ، هي التي تفسر سبب تصرف الدول بالشكل الذي تتصرف به من ناحية السلطة والديناميكيات الكامنة في الطبيعة البشرية ، إلا أن النظرية الليبرالية أدارت ظهرها لمثل هذه المسائل. لدرجة أنها كونت مفهوما مبسطا للمسألة بحيث أنها باتت تنظر إلى الحكومات الشمولية أو السلطوية على أنها "شر" يستعصي على العلاج وأن الديمقراطيات الليبرالية على أنها "خير" بحكم تكوينها.وتفشل النظرية الليبرالية في إدراك الأهمية الحاسمة للدولة الديكتاتورية ، بوصفها الطرف الآخر من المعادلة. كما أنها لا تناقش الأخطار المحتملة التي قد تتعرض لها القوة العظمى الممسكة بمصير مجتمع الديمقراطيات. افرض أن "القوة المهيمنة" انفجرت من الداخل لسبب ما (كارثة مالية مثلا)؟ أو أنه طلب من الأعضاء الآخرين في مجتمع الديمقراطيات المشاركة في مهمة خطرة تفشل (العملية الحالية في العراق ، مثلا)؟ أو أن منافسا قد ظهر من خارج مجتمع الديمقراطيات ، الصين مثلا؟علاوة على ذلك ، فكرة أن الولايات المتحدة قد منحت نوعا من التكليف التاريخي للعمل لخير جميع البشر ، بدافع مما في صفاتها من عبقرية ، هي فكرة يرفضها الإدراك السليم. إلا أن المشكلة هي أن الناس المرتاحين لإكسير نظرية السلام الديمقراطي الليبرالية ربما يعتقدون بالفعل أن السياسة الخارجية الأميركية ، إذا ما أديرت باسم ترويج الديمقراطية ، فإنها تستحق ولاءً غير محدود. ثمة جانب آخر هو أن أعداء السلام والحرية ليسوا الوحيدين الذين يعيشون في عالم البرابرة التاريخي. فقد يتصرف الذين هم من حقبة ما بعد التاريخ ، أتباع كَنت ، القلقون على "اتحادنا السلمي" ويحملون أفكارا مثل أفكارنا في العالم "المتحضر" ، بطريقة مارقة. نحن أنفسنا قد نكون قادرين على القيام بسلوكيات وحشية ، تعظّم الذات. إنها لعجرفة حمقاء الاعتقاد بأننا نجسد الفضيلة ، وكل عمل تقوم به الحكومة هو عمل يقود إلى السلام والحرية.لقد أصبحت نظرية السلام الديمقراطي بمثابة ادعاء بالتفوق الثقافي ومشجعة على السلوك الحربي - ما يجعلها بمثابة تحديث لنظرية التفوق العرقي ، إذا أردنا إجراء مقارنة صريحة لها - مدعومة بشرعية شبه علمية بفضل جهود الأكاديمية الأميركية. والنتيجة هي حجة "الحرب العادلة" التي يمكن أن تستخدم لإضفاء الشرعية على نوع الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة على العراق.نقاط الضعف في نظرية التحول الديمقراطي إذا كانت نقطة الضعف في نظرية السلام الديمقراطي التي استعرضناها أعلاه هو أنها ذكية بمقدار النصف ، فإن العيوب القاتلة في نظرية التحول الديمقراطي هو أنها مبسطة بمقدار عشرة أضعاف. لأن العودة إلى مذهب "الإرادية" (القائل بأنه إذا كان هناك إرادة فثمة مجال لتحقيق ما نريد) كانت ساذجة تماما في مجالين ، قدم كل واحد منهما مساهمة حاسمة في إنجاح سعي مذهب بوش للحصول على قبول شعبي.الأول ، بسّط هذا التفكير المنطق السياسي للدول حيث الصعوبات القائمة في طريق التحول الديمقراطي قد تكون أكبر بكثير. وقد تكون نتيجة ذلك إساءة تقدير لا تقاس لنوع المقاومة التي يمكن أن تواجه غزوا كالذي شنته الولايات المتحدة ضد العراق ونجاح حملة نشر الديمقراطية فيما بعد.ثانيا ، هذا التفكير يشتت ردود الفعل الناقدة لمذهب بوش ، الذي اعتنق فكرة أن الولايات المتحدة كانت تقود قوة تحرير عبر متاريس الطغيان في مختلف أنحاء العالم. وبدلا من تهدئة هذا الطموحات المتطرفة ، فإن قدرا كبيرا من الآراء المثقفة صدقتها بالفعل.ويستشهد المؤلف بدراسة لمؤسسة راند ترأسها جيمس دوبنز تناولت التاريخ الأميركي لترويج الديمقراطية من خلال الاحتلال المسلح ابتداء من الحرب العالمية الثانية وحتى العراق. فريق المؤلفين بدأ باليابان وألمانيا ، ثم واصل العمل بتناول تشكيلة من الاحتلالات الأميركية قبل العام 2003 شنت بدعوى الترويج للهدف نفسه (الصومال ، هاييتي ، البوسنة ، كوسوفو ، وأفغانستان) بهدف معرفة ما الذي وفر النجاح. الشيء المذهل أن الدراسة المطولة حللت السلوك الأميركي ، لكنها أهملت بالكامل تقريبا صفات الشعوب التي احتُلت أراضيها. عدم الانتباه للسكان المحليين لم يكن سهوا: فقد كان خيارا منهجيا مدروسا. لذلك طرح هؤلاء "الخبراء" جانبا السمات الداخلية والمحلية للدول المحتلة كلها. وفضلوا تحليل "مستوى الجهود التي وضعتها الولايات المتحدة والمجتمع الدولي لتحويل تلك الدول إلى الديمقراطية".لم تتناول التحليلات أشياء مهمة: مثل الطبقة الوسطى المحلية ، الخبرة المحلية فيما يتعلق بالحكومة المحدودة: المشاعر المحلية بالنسبة للوحدة الوطنية والتسامح مع التباينات الاجتماعية: والقادة الديمقراطيين المحليين. ما كان مهما بالنسبة لفريق راند ، هو مقدار قوة الإرادة والموارد الموضوعة في يد الموكلين بإنجاز المهمة. لذلك ، عندما لخص الفريق ما تعلمه من التاريخ الذي يمكن تطبيقه على العراق ، استنتج أن المتغيرات الأساسية للنجاح هي تقديم أعداد وافرة من الجنود وغير ذلك من المصادر المادية ، مقرونة بإرادة واشنطن السياسية في الالتزام بها لفترة طويلة ، لا أن تتقيد "بمواعيد نهائية مصطنعة" و"تواريخ مبتسرة" للانسحاب.وفي كتاب ألفه بروفيسور جامعة هارفارد نيول فيرجسون ، حول السياسة الخارجية الأميركية في العام 2004 ، توصل إلى النتيجة ذاتها ، المشكلة التي تواجهها الجهود الأميركية لا تكمن في صفات العراقيين أو السياسات العربية ، بل تكمن في "داخلنا" ، في "غياب قوة الإرادة لدى الشعب الأميركي". دروس اليابان وألمانيايطيب لمؤيدي الحرب على العراق وتطبيق الديمقراطية فيها الاستشهاد باليابان وألمانيا. الأميركيون ، خاصة الذين استحوذت على تفكيرهم رسالة مذهب بوش ، يتخيلون غالبا أن جميع الناس ينتظرون شيئا اسمه الحرية وأن ذلك سيقود الذين يبشرون بها لأن يقيموا ، عندما يحين الوقت ، نظاما ديمقراطيا لهم. أخطار تبني هذا الوهم تبدو واضحة تماما هذه الأيام.الحرية يجب أن تقوم على نظام سياسي ، وهو إنجاز من الصعب تحقيقه في بلد يفتقر للخبرة في مجال الحكومات المحدودة ومن دون عقد اجتماعي يربط مختلف عناصر المجتمع في نوع من الإجماع السياسي. فكرة أن الانتخابات وحدها قادرة على توفير إطار للنظام الديمقراطي هي أولى الأوهام التي بددتها السنوات الأربع الأولى من احتلال العراق.القول بالتشابه بين نظام صدام العراق وفاشية عقد الثلاثينيات لا تعني المصادقة على فكرة أن ما أنجزته الولايات المتحدة بعد العام 1945 في ألمانيا واليابان بفضل نشر الديمقراطية فيهما يمكن نسخه في الشرق الأوسط بعد ستين سنة من ذلك التاريخ. فالعراق والشرق الأوسط بشكل عام غير مؤهلين حاليا لقيام نظام حكم ديمقراطي ، فما كان يمتلكه هذان البلدان غير متوفر هنا.أولا ، كان لدى ألمانيا واليابان اقتصادا صناعيا متكاملا يمكن محاسبته وتوقع إجراءاته كي يعمل ، يعتمد في تطوره على طبقة وسطى متعلمة. ومع ديمقراطية "حكم القانون" فقد كانت بالتالي صيغة حكم تتطابق مع مرحلة التطور الاقتصادي والعلاقات الطبقية التي وصلتها اليابان وألمانيا. في العراق ، تعتمد الثروة الوطنية على النفط الذي يسهل على الدولة الاستيلاء على عائداته ، لتستخدمها في السيطرة على السكان الذين تحكمهم. الطبقة الوسطى الضرورية نجدها في دوائر الدولة وتعتمد بشكل شبه كامل على موارد الحكومة.ثانيا ، كانت النزاعات المحلية في ألمانيا واليابان تدور حول خطوط طبقية وليس حول خطوط دينية وعرقية ، ولم تهدد قط تقويض الشعور بالوحدة الوطنية. وكانت القومية متجذرة عميقا في كلا البلدين. نوع الانقسامات والتوترات التي نشهدها داخل المجتمع العراقي اليوم بين السنة ، والشيعة ، والأكراد ، تتجاوز بما لا يقاس الانقسامات الداخلية في ألمانيا واليابان. ثالثا ، كان في وسع القوميين في اليابان وألمانيا أن يروا بوضوح ، القوى الدولية المحيطة بهم ، وأن خيارهم ينحصر ما بين قبول قوى الاحتلال الأميركي أو مواجهة المد المتصاعد للشيوعية العالمية. سواء في الاتحاد السوفيتي أو الصين. هذا المزاج غير موجود إطلاقا في العراق اليوم ، حيث نجد قوى أجنبية قلقة وطموحة تتصارع على مكانة لها في بيئة سياسية متقلبة.رابعا ، في ألمانيا ، كانت هناك تقاليد برلمانية في الحكم يمكن أن تجعل من عملية التحول إلى الديمقراطية في البلد تطورا مشروعا. كما تمتع الحكم البرلماني بفترة قصيرة من النجاح في اليابان أيضا خلال الحرب. هذا التراث التاريخي غير متوفر في العراق. خامسا ، كان هناك قادة وحركات شعبية عارضت ظهور هتلر وانتظرت الحرب على أمل قيام احتلال يجلب الديمقراطية للبلد. اليابان كان وضعها أضعف في هذا المجال ، النخب السياسية في اليابان تعاونت مع خطط الجنرال دوجلاس ماك أرثر من أجل تحويل البلد إلى الديمقراطية. ولم نشهد في جميع أنحاء الشرق الأوسط مثل هذا التعاون. المقارنة الأقرب للوضع في العراق. نجدها في سماح الرئيس ويلسون بغزو جمهورية الدومينيكان ونيكاراجوا لإنقاذهما من الحرب الأهلية والحفاظ على منطقة مهمة للأمن الأميركي بنشر الديمقراطية فيهما. ما تمخضت عنه العمليات في ثلاثينيات القرن كان حكومات مستقرة تابعة لأميركا - تخضعان على التوالي في كلا البلدين لطغيان عائلتي تروخيليو وسوموزا - لكن ليس الديمقراطية.المقارنة التي يتجنبها مؤيدو مذهب بوش وكأنها شيء محرم هي فيتنام. هنا أيضا حاولت الولايات المتحدة "كسب قلوب وعقول" الشعب الفيتنامي عن طريق إقناعه باعتناق الحلم الليبرالي. الجهود الأميركية لتشجيع قيام حكومة ديمقراطية في المنطقة ثبت بأنها جهود دينكوشوتية تماما. ومع ذلك مَن مًن مؤيدي حرب العراق الذين يستشهدون بألمانيا واليابان يتأمل في الدروس الواجب تعلمها من فيتنام؟نتيجة هذا التفكير السطحي كان نشر البؤس البشري على مساحات أوسع ، وفي الوقت نفسه تعريض الأمن القومي الأميركي للخطر. الفراغ السياسي في العراق أصبح محطة تجنيد للإرهابيين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي ومحرضا على مناهضة الأمركة أيضا. على المدى القصير والمتوسط ، يبدو أن الطرف الرابح في هذا الصراع الدامي هو إيران وما يدعوه البروفيسور والي نصر "عودة الشيعة". قد يحدث ، على المدى الأبعد ، رد فعل سنّي لهذه التطورات يجمع دولا تمتد من تركيا إلى باكستان والعربية السعودية مصممة على مواجهة هذا التوجه ، قد يقلب المكاسب الإيرانية. لكن النتيجة الأخطر هي أن يكتسح الإسلام السياسي كل شيء جاعلا من التفريق بين الطوائف أمرا غير مهم نسبيا. الهيمنة المحبة للخيريصف الليبراليون الجدد النوايا الإمبريالية الأميركية ، بأنها "هيمنة محبة للخير" ، لكنهم يتجاهلون النوايا الخفية للغزاة والواقع السياسي للذين سيتعرضون للغزو ، وهو ما قد يقود إلى جحيم من العواقب. فعدم إدراك أن التدخل سيجعل وضعا سيئا أسوأ ، أو أنه قد يخدم أغراضا مختلفة تماما عما يسعى الليبراليين الدوليين تقليديا إلى تحقيقه ، فإن هؤلاء يخاطرون بخيانة القضية التي يدعون خدمتها. تطور الأيدولوجيا الليبرالية الدولية الجديدة لتصبح نوعا خاصا من الإمبريالية ، فتح الطريق أمامها لتصبح عقيدة قومية متطرفة. مع دعوة أشد جرأة ، ورؤية أكثر تماسكا ، وهدف أوسع ، وتصميم أعظم في القوة التي سعت إلى حشدها أكثر من أي شيء يمكن المقارنة به في التاريخ السابق للتقاليد الويلسونية. أميركا انتصرت في الحرب الباردة لأنها كانت ليبرالية. الآن ، بالتعاضد مع شركائها الذين لا يقلون عنها ليبرالية في الاتحاد الأوروبي المتجمعين تحت قيادة الناتو ، صار في وسع واشنطن القضاء ، مرة وإلى الأبد ، على جميع الحكومات الاستبدادية ومسحها من على وجه الكوكب.الليبراليون الإمبرياليون لا يبالون بالتاريخ أو السياسة - فكل ما يهمهم هو أن تلبى مطالبهم. ولديهم شعور بأن تحولا دراميا يمكن توقعه من "الجهلة" ، وإذا ما فشلوا في إجراء هذا التحول فلا بد من القيام به بالقوة ، أو "بالحث على القبول" ، حسب كلمات كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة في ذلك الحين. كما أنهم لا يقيمون وزنا للأيديولوجيات المنافسة التي قد تظهر ، سواء أكانت الإسلام المتطرف الذي اتبعته حركة طالبان أو آية الله خميني ، أو "القيم الآسيوية" التي اعتمدها زعيم سنغافورة لي كوان يو ، أو الدعوة "لحلول أفريقية لمشاكل أفريقيا". ومن السهل عليهم التقليل من قدر من يتحدّون سيطرة الإغراء الديمقراطي بوصفهم لا يمتلكون سوى مفاهيم فارغة وتفتقر إلى وزن فكري جاد. فإذا كانت الماركسية - اللينينية ، التي وصفت نفسها بأنها "نظرية النظريات" ، قد انهارت أمام منافسة الديمقراطية الليبرالية الدولية ، فكيف يمكن للمرء أن يأخذ على محمل الجد منافسة المفاهيم الضعيفة سابقة الذكر كخطط للنظام المحلي والدولي في القرن الواحد والعشرين؟ الليبرالية والأصوليةيناقش المؤلف مسالة أنه قد يبدو من غير المنطقي أن تظهر الأيديولوجية الليبرالية على شكل مذهب أصولي. فأول رد فعل على القول بأن الأيديولوجية الليبرالية الدولية قد تظهر على شكل مذهب أصولي متطرف ، هو الإشارة إلى أن الليبرالية والتطرف السياسي من أي نوع كان هما قطبان متناقضان: فكيف يمكن للأول أن يتحول ليصبح الثاني؟ الليبرالية تروج للحرية الفردية ، والتسامح ، واحترام الخيارات الفردية وتباين الجماعات: والحكم المبني على المعرفة والإطلاع بناء على رضا المحكومين. إنه مذهب التحليلات المنطقية ، والاعتدال الشخصي ، والحكومة المحدودة الذي تبدو له تعبيرات مثل "تطرف" أو "أصولي" مناقضة تماما. فكيف يمكن لنظام ليبرالي أن يحشد مواطنيه للدفاع عنه بحياتهم في حين أنه يغذي لديهم عمليا فكرة "أنا أولا" والولاء للجماعات الأدنى من قومية التي قد تجد في الوطنية بديلا باردا عن دفء اهتماماتهم الضيقة؟ كيف يمكن له أن يفرز التعصب؟ وبالمقابل تشير الأصولية ضمنا إلى التمسك المذهبي ، والانسجام الاجتماعي والشخصي مع ما تفرضه دولة سلطوية ، بعنف تعسفي في بعض الأحيان. إنها مذهب المباشر والضيق ، تفكير المتطرفين من جميع المشارب ، ويبدو الخطر في ملامحها بسبب عدم تسامحها ، وتأكيدها للذات ، وشعورها بأنها تحمل على كتفيها أعباء مهمة مقدسة. العديد من الأصوليين لا يحاولون التبشير بمذهبهم. إلا أن آخرين يبدون مجبرين بموجب الرسالة التي يحملونها على جعل العالم يتحول إلى أيديولوجيتهم. وهم غالبا مستعدون للدفاع عن قناعاتهم بالسيف ، والعمل ببطولة حتى على حساب ما يبدو أنه مصلحتهم الشخصية.فكيف نثبت أصولية الليبرالية الجديدة. يقول المؤلف إنه سواء كان المذهب الأصولي ديني أو علماني ، معاصر أو قديم ، فإن من المفيد التفكير بأن لرسالته ثلاثة أبعاد ، يتطابق كل واحد مع ديناميكيات أساسية من الأيدولوجيا ضرورية لنجاحه في أن يصبح حركة شعبية أصولية دموية. البُعد الأول للأصولية السياسية يقوم على رسم تصور عن "صراع مصيري مدمر" ، الذي يقسم العالم إلى صالح وشرير ، مع قيام قوى الظلام بمهاجمة قوى النور. أي أنها تقسم العالم إلى متمدنين ، مسالمين ، "نحن" (شعب الله أو شعب كَنت) ، وبربري ، محب للحروب "هم" (شعب الشيطان أو شعب هوبس) ، فليس هناك من مفهوم يمكن صياغته أفضل من نظرية السلام الديمقراطي سابقة الذكر. البُعد الثاني للمذهب الأصولي يمكن أن نسميه بُعد المسيح المنتظر أو الألفية السعيدة: ففي حين أن الأيدولوجيا لا تستطيع أن تعد بالنصر ، فهي واثقة بأنه في حالة تحقيقه فإن عصرا ذهبيا سيهل. والنتيجة هي حجة لصالح استخدام العنف لفرض إصلاحات مثالية يكاد يكون من المستحيل تحقيقها.البُعد الثالث للحجة الأصولية يتكون من حجج معيارية تهاجم دون تدقيق أي انتقاد لرؤيا الحدث المصيري (apocalyptic) أو الألفية السعيدة. قد نطلق على هذا البُعد الجانب الديماغوجي من الأيدولوجيا ، مجموعة من التأكيدات تسمح برد الاعتراضات دون تمحيص. فالويل لمن يشككون في طموحاتها ، فالذين ينكرون المخاطر التي تواجهنا ، أو الذين يفشلون في تقدير وعد الخلاص المنتظر الذي يكشفه المذهب ، يفتقرون إلى المستوى المطلوب من الالتزام الوطني أو الكبرياء القومي ، عملهم هذا يتسم بالجبن وانعدام الشرف. علاوة على الأبعاد الثلاثة سابقة الذكر ، ينصح الفكر الليبرالي الجديد الديمقراطيات الواعية للأخطار التي يمثلها مجرد وجود مثل تلك الأنظمة السياسية "المريضة" ، بأن تأخذ زمام المبادرة إذا أرادت أن تحافظ على طريقة عيشها. النتيجة هي إعادة صياغة نظريات "الحرب العادلة" ، فنظرية السلام الديمقراطي تدعونا إلى المبادرة بالهجوم على شكل حملة صليبية ضد البرابرة الذين يعيشون في دولة الطبيعة وبالضرورة يكرهوننا بكل شعرة من وجودهم الجاهل المتخلف.وحسب مداولات خبراء القانون الدولي الليبراليين في تسعينيات القرن الماضي ، يمكن إعلان عدم شرعية الدول غير الديمقراطية ، وأنها منبوذة من النظام الدولي. في الواقع ، يمكن للعالم الديمقراطي إصدار تفويض بمهاجمة مثل هذه الحكومات إذا أشتبه في ارتكابها انتهاكات خطيرة ومنهجية بحقوق الإنسان أو إذا حاولت الحصول على أسلحة دمار شامل. وتعترف تشريعات الليبراليين الجدد الدوليين صراحة بالحروب الاستباقية التي تشن ضد الدول السلطوية أو الشمولية. في ظروف من هذا النوع ، حيث الشر المطلق آخذ في الزحف ، فإن أنصاف الحلول محكوم عليها بالفشل. قد يكون ضروريا إتباع وسائل غير مريحة ، مثل تعذيب العدو. وقد نضطر إلى التضحية بحرياتنا المدنية. فمن يريد الغايات ، عليه أن يرضى بالوسائل. أي حديث قد يوحي بأن طبيعة العدو قد تكون أكثر تعقيدا أو أقل شيطانية مما يرى الأصوليون ، هو أمر مرفوض ، وبالمثل أي إشارة إلى أن صفات قوات النور قد تكون أقل من طاهرة ونقية.من هنا كانت الإشارة المتكررة في تصريحات الأصوليين الليبراليين إلى الصفة "الشمولية" ، و"الفاشية الإسلامية" ، و"الطبيعة المريضة" ، والشريرة للعدو الذي نواجهه في الشرق الأوسط ، في الوقت الذي نحن فيه الضحايا البريئة كلية.الأصولية الليبرالية ومعاداة الإسلام في التحول من سياسة الهيمنة إلى الإمبريالية خلال عقد التسعينات ، أصبحت أيديولوجيا الليبرالية الدولية تشكل خطرا على القيم ذاتها التي تدعى أنها تدافع عنها. ومهما كانت الملامح التقدمية التي لا يمكن إنكار امتلاكها لها فلا بد من إعادة تقييمها وموازنتها بالأضرار التي قد تتسبب بها. وبسماح الليبرالية الدولية بعمل إمبريالي لا سابق له من جانب الولايات المتحدة بحجة أن الهدف منه نشر الديمقراطية ، تكون قد ألحقت ضررا بالغا بقضيتها. سيكون لليبرالية الدولية المرتبطة بحركة شعبية يطلق عليها في بعض الأحيان المذهب الجاكسوني ، والمعززة بفكر الليبراليين الجدد وسيل من المفكرين والكتاب المستقلين أو المنتمين ، سيكون لديها القدرة على أن تصبح مثل المذاهب الأصولية التي بذلت الكثير من الجهود لهزيمتها في القرن العشرين. ونجد قدرا كبيرا من التعصب في الأفكار التي يروج لها الكتاب من أصحاب فكرة التدمير الخلاق ، الذين يريدون هدم المؤسسات القائمة في الشرق الأوسط وإعادة بنائها حسب النهج الليبرالي ، دون اهتمام بما سيتمخض عن ذلك من مآسي ، العائق الأكبر أمامهم هو الإسلام ، الذي يناصبونه العداء جهارا نهارا ، من أمثال الصحفي المعروف توماس فريدمان الذي اقترح في أيلول 2006 في مقال له في صحيفة نيويورك تايمز إقامة "ائتلاف للوحدة الوطنية" ، ليقوم بما فشل "بوش - تشيني - رامسفيلد في القيام به: "قالوا لنا نحن ندافع عن حياتنا ضد فاشية إسلامية جديدة... وحشدونا لساعة الصفر وأعطونا معنويات توازي ما هو لازم لغزو بنما". وإليوت كوهن ، الذي عبر عن امتعاضه "لأن مذهب بوش لم ينجز ما يكفي لتحذيرنا من أخطار الإسلام كدين".ومثل فرانك جافني من معهد السياسة الأمنية. الذي قال ، "في الصراع العالمي الذي فرضته علينا أيديولوجيا شمولية خطيرة والتي باتت تعرف باسم مناسب لها هو الفاشية الإسلامية... رفضت الإدارة الذهاب إلى ما أبعد من إطلاق تعابير لطيفة مثل "إرهاب" و"ايدولوجيا شريرة" ما يعني أننا لم نستوعب "فكرة أن الجهة المسؤولة أكثر من غيرها عن انتشار الفاشية الإسلامية في العالم هي المملكة العربية السعودية".وهناك أيضا الفكر المسيحي الإنجيلي الذي يستبق المعركة الفاصلة بين قوى الخير والشر (هرمجدون) ، ويدفع بها قدما أصحاب مقولة "لن يحدث مرة أخرى" مهما كانت التكلفة ، وبمشاركة المحافظين الجدد الذين كان التفوق الأميركي على العالم أجمع ، على الدوام ، أعز أمانيهم ، سيكون لدى الليبرالية الدولية القدرة على أن تصبح مثل المذاهب الأصولية التي بذلت الكثير من الجهود لهزيمتها في القرن العشرين. وأن تتمكن من تلويث تراثها بخيانة وعدها الخاص سيكون اللحظة التي يحقق فيها الشيطان مبتغاه دون شك. Date : 01-07-2009 |